|
د. إبراهيم بن عبدالله المطلق
إلحاقاً للمقال السابق والذي عددت فيه مظاهر قلة
الوعي واستجابة الاتصال من أخ محب صديق شكر فيه
وعتب فشكر على طرح مثل هذا الموضوع لأهميته وعتب
على اغفال قضايا ذات أهمية كبرى ونفتقد فيها
أبجديات الوعي وذكرني مشكوراً ببعضها وعليه أعزائي
القراء برفقه نسخة إلحاقية لعدد من مظاهر قلة
الوعي منها:
من مظاهر ضعف الوعي بل ربما انعدامه ضعف الحس
الوطني وانعدام الشعور بالانتماء للوطن، أعني
ترجمة مفهوم الوطنية والتفاعل الذاتي معه، فعلى
سبيل المثال تجد بعض المجتمعات مع شدة إرهاقهم
بدفع رسوم دراسية وضرائب على الصغيرة والكبيرة،
إلا أنهم لا يقبلون المساومة على وطنيتهم بحال من
الأحوال، وبالمقارنة تجد أننا نتعلم من التمهيدي
إلى الدكتوراه مجاناً ليس كذلك فحسب، بل يدفع لنا
مقابل تعليمنا مكافآت دراسية، ومع ذلك لا وطنية
لدى كثير منا بالمعنى المرضي والمقبول، فما السر
في ذلك؟
وليت الأمر انتهى إلى هذا الحد، بل نجد من أبنائنا
من قدم نفسه رخيصة في تدمير منشأة وتفجير مؤسسة
رسمية، فأين وطنية مثل هذا وهل مثله يعي مفهوم
الوطن ومكانة الوطن في الإسلام ومحبته والانتماء
له؟
أعتقد أن فاقد الشيء لا يعطيه ومؤسساتنا الإعلامية
والتربوية والدعوية تفتقر إلى الوطنية والدليل من
منكم يستطيع يؤكد لي أنه شاهد برنامجاً تلفازياً
أو إذاعياً أو دعوياً أو سمع خطيب جمعة خلال
الثلاث سنوات الماضية يترجم مفهوم الوطنية وينادي
به ويحث عليه؟
لعل من الأسباب كذلك اختراق بعض هذه المؤسسات من
قبل فكر واحد حاقد لا يؤمن بالوطنية ولا
بمشروعيتها ومفهومها المعروف لدينا ومفهومه
للوطنية أن أمة الإسلام وطنها واحد وعليه يجب
العمل على هذا المفهوم لاستعادة الوطن الواحد
للأمة الإسلامية واستعادة أمجادها بإقامة الخلافة
الراشدة.
من مظاهر ضعف الوعي أننا مجتمع شائعات فما أن تطلق
شائعة شرقاً أو غرباً شمالاً أو جنوباً حتى تبلغ
مشارق الأرض ومغاربها دون فحص وتمحيص وتبث {يا
أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن
تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم
نادمين}.
من مظاهر ضعف الوعي الإسراف في كثير من شئوننا في
مأكلنا ومشربنا ونومنا وقيامنا ووقتنا وكثير من
أحوالنا تجد أحدنا يذهب للسوق ليشتري فيبالغ
بالشراء، وحينما يراجع نفسه يجد اغتناءه عن نسبة
عالية من مشترياته.
ولعلك رأيت معي الزحام غير المعقول قبيل إجازات
الأعياد وقبيل افتتاح المدارس على الأسواق
والمكتبات وغيرها مما يدفع بضعاف النفوس إلا
استغلال مثل هذه المواسم لمضاعفة الأسعار والضحية
رب الأسرة المسكين.
من مظاهر الإسراف أنك حينما تدعو صديقاً لك على
وجبة عشاء أو غداء تقدم له من الطعام ما يكفي عشرة
فتأكلون وما يتبقى مصيره النفايات عند البعض من
الناس وهذا لا شك كفر بالنعمة ونذير زوال لها.
من مظاهر ضعف الوعي إن لم يكن انعدامه على مستوى
الأفراد أو المؤسسات لا يوجد لدينا تخطيط
استراتيجي وعلى مدى سنوات قادمة فغالب أنشطتنا
وقراراتنا الفردية وغيرها مبني على الارتجالية في
اتخاذ القرار مما يؤدي إلى الفشل المبكر ولو نظرنا
إلى بعض الدول المتقدمة لرأينا أن من أهم أسباب
تقدمها ورقي شعوبها وجود إدارات كبيرة ومتخصصة
لتقديم دراسات استراتيجية يعمل بها على مدى سنوات
طويلة بل وحتى الأفراد تجد أحدهم قد وضع لنفسه
برنامجاً مجدولاً يعمل به بالثانية وعلى مدى فترة
زمنية طويلة.
من مظاهر ضعف الوعي أيضاً ارتفاع نسبة الطلاق في
مجتمعنا لدرجة لا تكاد تصدق سبب ذلك انعدام مفهوم
الزوجية وأهميتها وحاجة كل من الزوجين للآخر وحُسن
معاشرة كل منهما للآخر والنظر إلى حياتهما بأسمى
وأرقى معاني الانسجام والالفة والمودة والتكامل
وحُسن الخُلق واللطافة في التعامل والحديث فهما
جسمان في جسم واحد ولذا يفترض أن يكون تفكيرهما
واحداً وقلبهما واحداً ومشاعرها واحدة فما يسيء
لأحدهما يسيء للآخر وجرح مشاعره جرح لمشاعر الآخر،
وهكذا وقد حث القرآن الكريم والسنة المطهرة على
هذا المفهوم (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)،
(وعاشروهن بالمعروف)، (خيركم خيركم لأهله وأنا
خيركم لأهلي).
واللوم كذلك في هذا الخلل موجّه لمؤسساتنا آنفة
الذكر فالتقصير واضح وإخلالها بمسئولياتها في هذا
الجانب واضح وإن غضبوا فالحق أحق أن يقال وقل الحق
ولو كان مراً.
إذاً نحن بحاجة إلى المزيد والمزيد من الوعي
وبحاجة إلى مساءلة ومحاسبة مؤسساتنا الإعلامية
والتربوية والدعوية - منابر الجمعة وغيرها - على
تقصيرها في بناء الفرد والمواطن والمجتمع على
مستوى رفيع من الثقافة والوعي والأدب وحسن الخُلق
وحُسن المعاشرة وعلى تخلفنا في مؤخرة الركب
ثقافياً ووعياً.
والله من وراء القصد.
جريدة الرياض - الجمعه 23 ذي الحجة 1427هـ - 12
يناير 2007م - العدد 14081. |