|
د. إبراهيم بن عبدالله المطلق
مررنا بسنوات عجاف ملئت بفكر متطرف أثمر جيلاً
تكفيرياً تفجيرياً استطاع أن يدخل التاريخ لتتحدث
عنه الأجيال بمحاولة لزعزعة أمن واستقرار البلد
الآمن والوطن المسالم بل وطن الحب والكرم والعطاء
والنماء والبذل والإحسان لا لمواطنيه وقاطنيه فحسب
بل لكل مسلمي الأرض بل تجاوز خيره وعطاؤه وبذله
لكل من حمل وثيقة "إنسان" فاستحق لقب وطن
الإنسانية كذلك فمعوناته الإنسانية لكل صنف البشر
باختلاف ألوانهم وأطيافهم ومللهم ونحلهم.
كل ذي نعمة محسود ومن هنا انطلقت رصاصات الحساد
نحو مهبط الأفئدة في محاولة بائسة وحقودة لإزالة
نعم الله تعالى وفضله الذي اختص به أبناء هذا
الوطن رعاة ورعية.
شباب بأعمار الزهور من أبنائنا ولدوا بيننا وتربوا
في بيوتنا ودرسوا في مدارسنا ونبت لحمهم وشحمهم من
خيراتنا حتى إذا نمت أظفارهم وطالت شعورهم قلبوا
ظهر المجن فتنكبوا لكل الخيرات وأنكروا كل الحسنات
وجحدوا كل سنوات العمر وما حملته لهم من أنواع
البر والجميل والخير والمحبة والرفاهية.
القول بأن هذه الفئة تربوا على أنواع العنف
والتطرف خارج حدود الوطن مردود على صاحبه وإن
كانوا تلقوا بعضاً من التدريبات الميدانية في
معسكرات أفغانستان وغيرها لكن من أرسلهم لتلك
المعسكرات من الداخل؟!! سؤال في غاية الأهمية
يستحق الإجابة الصريحة بعيداً عن التورية والتلبيس
وأسلوب التغفيل والتمويه.
فئة التكفير والتفجير تاج فكر متطرف داخل الحدود
وليس خارجها استطاع هذا الفكر اجتياج واكتساح غالب
المؤسسات والهيمنة بل والإمساك بزمام قراراتها
وشؤونها ولا زال متربعاً على كراسي العديد من تلكم
المؤسسات ولا زال قياديوه بين كل آونة وأخرى يهنئ
بعضهم بعضاً بالاستيلاء على جهات أخرى والهيمنة
على مؤسسات جديدة. انتهت سنوات المحنة بعد هزيمة
نكراء لفئة الضلال وعادت بفضل الله تعالى المياه
لمجاريها وتم إزالة الكثير من الحواجز الأمنية
التي أغلقت بها بعض الطرق والبوابات في تلكم
الفترة الزمنية العصيبة.
هناك من يزعم ان الحرب انتهت وان المسألة مسألة
فئة قليلة تم دحرها والقضاء عليها ولن تتكرر بإذن
الله تعالى وهذا ما نتمناه ونرجوه جميعاً لكن ما
يجب التنبه له وملاحظته بكل كياسة وفطنة وحذاقة هو
أن هناك الكثير والكثير جداً من شباب الصحوة -
خلايا نائمة - وممن تربوا في نفس المحاضن وعلى نفس
القيادات والأشرطة والنشرات والكتيبات تلقوا أوامر
قيادييهم بعد هزيمة الصف الأول من جند التفجير
بالانسحاب بتكتيك وذكاء ودخول المنازل وإغلاق
الأبواب ومن دخل بيته فهو آمن مستفيدين من نملة
سليمان (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم
سليمان وجنوده وهم لا يشعرون).
الاكتساح لبعض المؤسسات ذات الأهمية في مواجهة
التطرف أياً كانت تربوية أو دعوية حال وبقوة من
صنع استراتيجية رسمية مؤسساتية للتصدي للفكر
المتطرف والقضاء على جذوره ومنابعه وصنع أجيال
جديدة تحمل فكراً معتدلاً ومنهجاً وسطاً لا غلو
فيه ولا جفاء ولا إفراط ولا تفريط.
كل الجهود التي بذلت لمواجهة التطرف الفكري
والإرهاب هي جهود لا تعدوا أن تكون فردية شخصية
بعضها قوبل بأنواع التضييق والتحدي فالذين صنفوا
كتباً في فضح الإرهاب والتصدي للفكر المتطرف في
غاية الموضوعية والشفافية والصراحة والمصداقية -
د. عبدالسلام السحيمي، ود. عصام السناني انموذجاً
- تستحق أن تقرر كمقررات دراسية يتعلمها الأبناء
في المؤسسات التعليمية واجهت تهميشاً وتحقيراً
ونسفاً من قبل لجان مسؤولة في هذا الشأن حتى اضطر
بعضهم لطباعة كتابه خارج الحدود ولم يترك أحداً
إلا استنجد به ليفسح كتابه المهم للغاية ويعرض في
معرض الكتاب المنصرم وذهب صراخه مع رياح الفكر
المتطرف العاتية.
ألا يجب مع تجربة الأمس بمحاولة المساس بأمن هذا
الوطن والإطاحة بنظامه وخلخلة أمنه واستقراره
والعبث بخيراته ومنشآته ومقدراته أن تكلف جهة
رسمية بصنع استراتيجية يتم اعتمادها من أعلى سلطة
في الوطن لمواجهة التطرف الفكري تتضمن قراءة
تاريخية لأصل التطرف الفكري الوافد وفصله ومولده
ونشأته ورجاله بل ورموزه وأهدافه ومقرراته ووسائله
وأساليبه ومحاضنه وتفتح ملفات "خائنة" تعود خمسن
سنة للوراء ومن ثم صنع قرار بتكليف جميع المؤسسات
المعنية بعمل مشروع مؤسساتي ضخم جداً كل في تخصصه
ومسؤولياته تربوياً ودعوياً وإعلامياً وأمنياً
للتصدي للفكر بفكر معتدل وطرح سليم وليعرف بعد ذلك
من يلقي مثل هذه التوجيهات والقرارات في سلة
المهملات ليتم إلقاؤه هو أيضاً في سلة المهملات
كائناً من كان إذ لا مساومة على أمننا واستقرارنا
ومقدراتنا في حال من الأحوال ويكلف بديل له ممن
بروا بقسمهم في الصدق والاخلاص والولاء وممن
راقبوا الله تعالى في مسؤولياتهم وأماناتهم وممن
عشقوا الوطن لدرجة تقديمهم أرواحهم على أكفهم
حماية للدين والعقيدة وفداء للوطن ولرعاته
ومقدساته.
الالتماس هنا موجه لرجل الأمن الأول والذي اكتوت
وزارته بنار التطرف والمتطرفين واستهدفت تفجيراً
من فئة الضلال المفسدين وقدمت عدداً من رجالها
الأوفياء البواسل شهداء واجب في هذا السبيل رحمهم
الله جميعاً واستطاعت بعون الله تعالى القيام
بواجب جميع المؤسسات الأخرى المتقاعسة والمتعاطفة
فيا ليت سموه الكريم وفقه الله لكل خير يتبنى فكرة
المشروع المؤسساتي لمواجهة الإرهاب والتطرف الفكري
والتصدي للتيارات والجماعات التي تتبنى الإرهاب
الفكري وتغذيه الفكر التكفيري حيث نجحت وكما يعلم
سموه الكريم تجربته بمؤسسة تعليمية أكاديمية ويتم
التقدم بهذا المشروع لمجلس الوزراء الموقر
لاعتماده وإلزام جميع المؤسسات الرسمية بتنفيذه
والعمل بموجبه وتكليف لجان ومؤسسات المراقبة
بالمتابعة الدقيقة وتقديم تقارير بالتنفيذ من
عدمه.
والله من وراء القصد.
جريدة الرياض - الأثنين 26 جمادى الآخر 1429هـ -
30 يونيو 2008م - العدد 14616. |