|
د. إبراهيم بن عبدالله المطلق
قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم نكن نعرف شيئاً
يسمى الإرهاب ومحاربة الإرهاب والتطرف الفكري مع
أن تاريخ الإرهاب قد بدأ مع بدء تاريخ البشرية
فقتل أحد ابني آدم أخاه يسمى إرهاباً والحروب
الطاحنة واعتداءات البشر بعضهم على بعض على أنفسهم
وأعراضهم وأموالهم يسمى إرهاباً وهو قديم بقدم خلق
الله للإنسان.
مصطلح كلمة الإرهاب جاء في كتاب الله تعالى حينما
أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم وعباده بإعداد
القوة للعدو من أجل إرهابهم فقال سبحانه: (وأعدوا
لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به
عدو الله وعدوكم).
قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم نكن نسمع
إطلاقاً كلمة إرهاب أو إرهابي مع أنها موجودة
وبكثرة وفي جميع دول العالم وعند جميع الملل
والديانات فما سر إلصاقها بالمسلمين ولمَ تحول
المسلمون إلى إرهابيين ولمَ أصبح الإرهاب شعاراً
يستظل تحت مسماه ومكافحته كل من يسعى للوصول لهدف
ذاتي أو كرسي أو منفعة خاصة؟!!
أما سر إلصاقها بالمسلمين ووصفهم بأنهم إرهابيون
مع أن الوصف الحقيقي لهذه الكلمة ينصرف للكفار
وليس للمسلمين فبسبب ضعفهم وتنازعهم وتفرق كلمتهم
واختلاف آرائهم وعدم وحدتهم تجاه عدوهم بل صار
يخطط للسطو على بعض وبعض قياداتهم يخطط لاغتيال
بعض أو الإطاحة به بينما نجد الكفار يسابقون الليل
والنهار في الوحدة واجتماع الكلمة والاتفاق
والتعاون في سبيل مصلحة عقيدتهم أولاً ثم حماية
أوطانهم وأمنهم القومي واقتصادهم ومصالح مجتمعاتهم.
لم أكن أتصور أن نستغل ونستثمر «كلمة إرهاب»
ومحاربة التطرف الفكري لتحقيق مصالح شخصية ومنافع
ذاتية فقط حتى رأيت بعيني وقرأت وسمعت من يكرر مثل
هذه المصطلحات ليل نهار وفي الصحف والمؤتمرات
والندوات وأشرطة الكاسيت والقنوات الفضائية حتى مج
السمع والبصر والفؤاد كل ذلك وكرهه من كثرة ترداده
وبسبب استثماره للمصالح الدنيوية.
اؤكد على هذه القضية لأنني لاحظت وقرأت لعدد ممن
كانوا في سنوات مضت رموزاً في احتضان الإرهاب
الفكري والترويج له وحشد الجماهير للاستماع
لمحاضرة رمز من رموزه أو شيخ من مشايخه أو داعية
وافد أو محلي الصنع والإنتاج من دعاته أصبحوا
أعلاماً يشار إليهم بالبنان بين عشية وضحاها في
محاربة الإرهاب وأصبحوا هم قيادات ورموز الوسطية
فكراً ومنهجاً ودعوة فسبحان مقلب القلوب وسبحان من
يغير ولا يتغير!!
لو أردنا أن نعمل العقل والتفكير كما أمرنا ربنا
وأن نحذر من وصف الأمعية وتقليد الناس في كل ما
يقولون وما يفعلون فهل يصدق عقل أن جميع هؤلاء وقد
عرفوا واشتهروا بتهييج الناس وشحذ همم الناشئة
وتحريضهم وتفخيخ أفكارهم وعقول الكثيرين منهم هل
يعقل أن يتنكروا لمعتقدهم وينسلخوا من مبادئهم
وثوابتهم وأفكارهم في ساعة من ليل أو نهار.
إنها استراتيجية الفكر والتنظيم وفقه المرحلة
تغيير القميص والتلون ومخالفة الظاهر للباطن عقيدة
للقوم للحفاظ على أصل المعتقد وحماية الناشئة
والأتباع من التأثر بالمخالف فالمخالف عندهم هو من
يستحق لقب إرهابي ومتطرف حتى وصف كبار علمائنا
بالتطرف الفكري والخلل المنهجي.
ثم مصيبة أخرى وطامة من الطوام العظمى أن نجد عدداً
ممن تقلدوا أو يسعون لتقلد بعض المناصب لا يعرفون
من كلمة الإرهاب إلا اسمها ولا يكادون يفرقون بين
الإرهاب الحقيقي والإرهاب المزيف بل حينما يتأمل
العاقل اللبيب في ماضيهم وتاريخهم لا يكاد يجد
لأحدهم شيئاً يرتكز عليه أو جهداً يذكر فيشكر بل
ربما على العكس تماماً حيث السكوت المطبق ومجاملة
بعض رموز التطرف والتنكيت معهم وربما تقبيل رؤوسهم
إمعاناً في التقرب إليهم وكسب رضاهم وحينما تتحدث
مع أحدهم وتحاوره يؤكد لك أنه يمسك العصا مع
منتصفها يعني يؤكد لك نفس المفهوم محاولة إرضاء
جميع الفرق والقيادات والجماعات فلا هوية له ولا
شخصية ولا انتماء حقيقي له!!
في تصوري الشخصي أن أمثال هؤلاء صناعة من صناعات
التنظيم الذكي واستراتيجية من استراتيجياته فهم
يخططون لمئات السنوات القادمة ويخططون لمواجهة ما
قد يتعرض له فكرهم ودعوتهم من محن وويلات ونكبات
ويخططون لمراحل اكتشاف تنظيمهم وتسلط القوى
الحاكمة عليهم وبالتالي فلا يستغرب أن يصنعوا
رجالاً ظاهر ولاؤهم للسلطات والحكام وباطن ولاؤهم
لتنظيمهم وجماعتهم ومن هنا يمكنهم الابقاء على أهم
المناصب بحوزتهم وتحت هيمنتهم إما بالهيمنة
الحقيقة أو تولي عميل لهم وموالٍ لهم لهذا المنصب
ليبقي على جميع أنشطتهم كما هي وإن لزم الأمر تم
تغيير بعض المسميات فقط للتمويه وإيهام الآخرين
والتدليس على مؤسسات المراقبة والمتابعة.
الدليل على ذلك أننا لم نلحظ طيلة سنوات مواجهة
الإرهاب وصراخ التصدي للتطرف الفكري تغيراً يذكر
أو جهداً يشكر من قبل البعض في التصحيح ومعالجة
الأخطاء وتنوير الفكر في مؤسساتنا الإعلامية أو
التربوية أو الدعوية أو غيرها سوى جعجعة دون طحن!!
السؤال متى وكيف وهل يمكن التفريق بين صحيح المنهج
سليم الفكر المخلص لعقيدته ووطنه وولائه وبين
المنافق المدلس المستنفع؟!!
والله تعالى من وراء القصد..
جريدة الرياض - الاربعاء 2 شعبان 1431 هـ - 14
يوليو 2010م - العدد 15360. |